السيد محمد حسين الطهراني
36
معرفة المعاد
وهذه الأمور ممّا يختصّ بها المقرّبون ، فهم - إذاً - لا يمتلكون كتاباً . وعليه : فما هو مصير كدحهم وأعمالهم في الدنيا وصلاتهم وصيامهم وجهادهم ، وما تحمّلوه من مصائب وشدائد ومحن ؟ لمن خلق الله الحور العين والجنان والنسائم والأنهار الجارية ، والأنهار الأربعة : نهر العسل المصفّى ، ونهر الخمر الذي جُعل لذّة للشاربين ، ونهر اللبن الذي لا يتغيّر طعمه ، ونهر الماء الذي لا يأسن ؟ ولمن نهر الزنجبيل والماء الممزوج بالكافور ؟ ولمن عين السلسبيل وماء الكوثر ؟ إنّها لهم ، ولكن ليس في حال الفناء ، بل في حال البقاء بعد الفناء وفي مقام جمع الجمع . أي أنّهم سيتمتّعون بهذه النعم في عين الفناء والاستغراق في الذات الأحديّة ، وسيحظون خلالها بالتمتّع بجمال الله . كما خُلقت هذه النعم لأصحاب اليمين المتلذّذون بها بدون الاستغراق في الذات الأحديّة . وخلاصة القول أنّ هذه النعم هي في الحقيقة جزاء الحركة والسلوك ولا تشمل مَن في الحَرَم ، فالعشق والحماس والحركة تكون في مرحلة السلوك ، أمّا في مرحلة العرفان فليس هناك من عشق ولا حماس . لذا فإنّ من يصبح - بعد طيّ مرحلة السلوك - عارفاً بالله تعالى ومن عباد الله المقرّبين المخلَصين ، فلا حركة له بعد ، إذ ليس في مرحلة العرفان أيّ حزن أو فرح ، أو خوف أو أمل ، ولا وجود للإحساس بالعلم أو القدرة أو الوجود . حالات فقر المخلَصين والمقرّبين وفنائهم ولقد أجاد ابن الفارض في وصف بعض حالات المخلَصين عند الفناء :